اسمه عبد الله - ويقال عتيق بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي رضي الله عنه . روى عنه خلق من الصحابة وقدماء التابعين ، من آخرهم : أنس بن مالك ، وطارق بن شهاب ، وقيس بن أبي حازم ، ومرة الطيب . قال ابن أبي مليكة وغيره ، إنما كان عتيق لقبا له .
وعن عائشة ، قالت : اسمه الذي سماه أهله به " عبد الله " ولكن غلب عليه " عتيق "
وقال ابن معين : لقبه عتيق ؛ لأن وجهه كان جميلا ، وكذا قال الليث بن سعد .
وقال غيره : كان أعلم قريش بأنسابها . وقيل : كان أبيض ، نحيفا ، خفيف العارضين ، معروق الوجه ، غائر العينين ، ناتئ الجبهة ، يخضب شيبه بالحناء والكتم .
وكان أول من آمن من الرجال . وقال ابن الأعرابي : العرب تقول للشيء قد بلغ النهاية في الجودة : عتيق . وعن عائشة ، قالت : ما أسلم أبو أحد من المهاجرين إلا أبو بكر . وعن الزهري ، قال : كان أبو بكر أبيض أصفر لطيفا جعدا مسترق الوركين ، لا يثبت إزاره على وركيه . وجاء أنه اتجر إلى بصرى غير مرة ، وأنه أنفق أمواله على النبي صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر " . وقال عروة بن الزبير : أسلم أبو بكر يوم أسلم وله أربعون ألف دينار . وقال عمرو بن العاص : يا رسول الله ، أي الرجال أحب إليك ؟ قال : " أبو بكر " . وقال أبو سفيان ، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يبغض أبا بكر وعمر مؤمن ، ولا يحبهما منافق " .
وقال الشعبي ، عن الحارث ، عن علي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أبي - ص 9 - بكر وعمر ، فقال : " هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين ، إلا النبيين والمرسلين ، ولا تخبرهما يا علي " وروي نحوه من وجوه مقاربة عن زر بن حبيش ، وعن عاصم بن ضمرة ، وهرم ، عن علي . وقال طلحة بن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس مثله . وقال محمد بن كثير ، عن الأوزاعي ، عن قتادة ، عن أنس مثله . أخرجه الترمذي قال : حديث حسن غريب . ثم رواه من حديث الموقري ، عن الزهري ، ولم يصح . قال ابن مسعود : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا " . روى مثله ابن عباس ، فزاد : " ولكن أخي وصاحبي في الله ، سدوا كل خوجة الخوخة : باب صغير كالنافذة . في المسجد غير خوخة أبي بكر " . هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن عمر أنه قال : أبو بكر سيدنا وخيرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صححه الترمذي . - ص 10 - وصحح من حديث الجريري ، عن عبد الله بن شقيق ، قال : قلت لعائشة أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان أحب إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : أبو بكر ، قلت : ثم من ؟ قالت : عمر ، قلت : ثم من ؟ قالت : أبو عبيدة ، قلت : ثم من ؟ فسكتت . مالك في " الموطأ " عن أبي النضر ، عن عبيد بن حنين ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ، فقال : " إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده " فقال أبو بكر : فديناك يا رسول الله بآبائنا وأمهاتنا ، قال : فعجبنا ، فقال الناس : انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله ، وهو يقول : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير ، وكان أبو بكر أعلمنا به ، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : " إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوة الإسلام ، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر " متفق على صحته .
وقال أبو عوانة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن ابن أبي المعلى ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه ، والأول أصح . - ص 11 - وعن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه ما خلا أبا بكر ، فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة ، وما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ألا وإن صاحبكم خليل الله " قال الترمذي : حديث حسن غريب . وكذا قال في حديث كثير النواء ، عن جميع بن عمير ، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر : " أنت صاحبي على الحوض ، وصاحبي في الغار " .
وروى عن القاسم ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره " تفرد به عيسى بن ميمون ، عن القاسم ، وهو متروك الحديث .
وقال محمد بن جبير بن مطعم : أخبرني أبي أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته في شيء فأمرها بأمر ، فقالت : أرأيت يا رسول الله إن لم أجدك ؟ قال : " إن لم تجديني فأتي أبا بكر " متفق على صحته .
وقال أبو بكر الهذلي ، عن الحسن ، عن علي ، قال : لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس ، وإني لشاهد وما بي مرض ، فرضينا - ص 12 - لدنيانا من رضي به النبي صلى الله عليه وسلم لديننا .
وقال صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه : " ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا ، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل ، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " . هذا حديث صحيح .
وقال نافع بن عمر : حدثنا ابن أبي مليكة ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه : " ادعوا لي أبا بكر وابنه فليكتب ، لكيلا يطمع في أمر أبي بكر طامع ولا يتمنى متمن " ثم قال : " يأبى الله ذلك والمسلمون " تابعه غير واحد ، منهم عبد العزيز بن رفيع ، عن ابن أبي مليكة ، ولفظه : " معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر " .
وقال زائدة ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله ، قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير ، فأتاهم عمر فقال : ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر فأم الناس ، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ؟ فقالوا : نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر ، رضي الله عنه .
وأخرج البخاري من حديث أبي إدريس الخولاني ، قال : سمعت أبا الدرداء يقول : كان بين أبي بكر وعمر محاورة ، فأغضب أبو بكر عمر ، فانصرف عنه عمر مغضبا ، فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له ، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه ، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو الدرداء : ونحن عنده ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما صاحبكم هذا - ص 13 - فقد غامر " . قال : وندم عمر على ما كان منه ، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقص على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر ، قال أبو الدرداء : وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل أبو بكر يقول : والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هل أنتم تاركو لي صاحبي ؟ إني قلت : يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ، فقلتم : كذبت ، وقال أبو بكر : صدقت " .
وأخرج أبو داود من حديث عبد السلام بن حرب ، عن أبي خالد الدالاني ، قال : حدثني أبو خالد مولى جعدة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أتاني جبريل فأخذ بيدي ، فأراني الباب الذي تدخل منه أمتي الجنة " فقال أبو بكر : وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه ، قال : " أما إنك أول من يدخل الجنة من أمتي " أبو خالد مولى جعدة لا يعرف إلا بهذا الحديث .
وقال إسماعيل بن سميع ، عن مسلم البطين ، عن أبي البختري ، قال : قال عمر لأبي عبيدة : ابسط يدك حتى أبايعك ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أنت أمين هذه الأمة " ، فقال : ما كنت لأتقدم بين يدي رجل أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤمنا ، فأمنا حتى مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وقال أبو بكر بن عياش : أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن ؛ لأن في القرآن في المهاجرين : أولئك هم الصادقون [ الحجرات ] فمن سماه الله صادقا لم يكذب ، هم سموه ، وقالوا : يا خليفة رسول الله .
وقال إبراهيم بن طهمان ، عن خالد الحذاء ، عن حميد بن هلال ، - ص 14 - قال : لما بويع أبو بكر أصبح وعلى ساعده أبراد ، فقال عمر : ما هذا ؟ قال : يعني لي عيال ، فقال : انطلق يفرض لك أبو عبيدة . فانطلقنا إلى أبي عبيدة ، فقال : أفرض لك قوت رجل من المهاجرين وكسوته ، ولك ظهرك إلى البيت .
وقالت عائشة : لما استخلف أبو بكر ألقى كل دينار ودرهم عنده في بيت المال ، وقال : قد كنت أتجر فيه وألتمس به ، فلما وليتهم شغلوني . وقال عطاء بن السائب : لما استخلف أبو بكر أصبح وعلى رقبته أثواب يتجر فيها ، فلقيه عمر وأبو عبيدة فكلماه ، فقال : فمن أين أطعم عيالي ؟ قالا : انطلق حتى نفرض لك . قال : ففرضوا له كل يوم شطر شاة ، وماكسوه في الرأس والبطن . وقال عمر : إلي القضاء ، وقال أبو عبيدة : إلي الفيء . فقال عمر : لقد كان يأتي علي الشهر ما يختصم إلي فيه اثنان .
وعن ميمون بن مهران ، قال : جعلوا له ألفين وخمسمائة .
وقال محمد بن سيرين : كان أبو بكر أعبر هذه الأمة لرؤيا بعد النبي ، صلى الله عليه وسلم .
وقال الزبير بن بكار ، عن بعض أشياخه ، قال : خطباء الصحابة : أبو بكر ، وعلي .
وقال عنبسة بن عبد الواحد : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، عن - ص 15 - عروة ، عن عائشة أنها كانت تدعو على من زعم أن أبا بكر قال هذه الأبيات ، وقالت : والله ما قال أبو بكر شعرا في جاهلية ولا في إسلام ، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية .
وقال كثير النواء ، عن أبي جعفر الباقر : إن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي : ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا [ الحجر ] الآية .
وقال حصين ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عمر صعد المنبر ، ثم قال : ألا إن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ، فمن قال غير ذلك بعد مقامي هذا فهو مفتر ، عليه ما على المفتري .
وقال أبو معاوية وجماعة : حدثنا سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، قال : كنا نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب أبو بكر ، وعمر ، وعثمان استوى الناس ، فيبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكره .
وقال علي ، رضي الله عنه : خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ، وعمر . هذا والله العظيم قاله علي ، وهو متواتر عنه ؛ لأنه قاله على منبر الكوفة ، فلعن الله الرافضة ما أجهلهم .
وقال السدي ، عن عبد خير ، عن علي ، قال : أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر ، كان أول من جمع القرآن بين اللوحين . إسناده حسن .
وقال عقيل ، عن الزهري أن أبا بكر والحارث بن كلدة كانا يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر ، فقال الحارث : ارفع يدك يا خليفة رسول الله ، والله إن فيها لسم سنة ، وأنا وأنت نموت في يوم واحد ، قال : فلم - ص 16 - يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة .
وعن عائشة ، قالت : أول ما بدئ مرض أبي بكر أنه اغتسل ، وكان يوما باردا فحم خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة ، وكان يأمر عمر بالصلاة ، وكانوا يعودونه ، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه . وتوفي مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة . وكانت خلافته سنتين ومائة يوم .
وقال أبو معشر : سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليال ، عن ثلاث وستين سنة .
وقال الواقدي : أخبرني ابن أبي سبرة ، عن عبد المجيد بن سهيل ، عن أبي سلمة . قال : وأخبرنا بردان بن أبي النضر ، عن محمد بن إبراهيم التيمي . وأخبرنا عمرو بن عبد الله ، عن أبي النضر ، عن عبد الله النخعي ، دخل حديث بعضهم في بعض : أن أبا بكر لما ثقل دعا عبد الرحمن بن عوف ، فقال : أخبرني عن عمر ، فقال : ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني ، قال : وإن ، فقال : هو والله أفضل من رأيك فيه . ثم دعا عثمان فسأله عن عمر ، فقال : علمي فيه أن سريرته خير من علانيته ، وأنه ليس فينا مثله . فقال : يرحمك الله ، والله لو تركته ما عدوتك ، وشاور معهما سعيد بن زيد ، وأسيد بن الحضير وغيرهما ، فقال قائل : ما تقول لربك إذا سألك عن استخلافك عمر وقد ترى غلظته ؟ فقال : أجلسوني ، أبالله تخوفوني ؟ أقول : استخلفت عليهم خير أهلك .
ثم دعا عثمان ، فقال : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها ، وعند أول - ص 17 - عهده بالآخرة داخلا فيها ، حيث يؤمن الكافر ، ويوقن الفاجر ، ويصدق الكاذب ، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا ، وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرا ، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه ، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب ، والخير أردت ولا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [ الشعراء ]
وقال بعضهم في الحديث : لما أن كتب عثمان الكتاب أغمي على أبي بكر ، فكتب عثمان من عنده اسم عمر ، فلما أفاق أبو بكر قال : اقرأ ما كتبت ، فقرأ ، فلما ذكر عمر كبر أبو بكر ، وقال : أراك خفت إن افتلتت نفسي الاختلاف ، فجزاك الله عن الإسلام خيرا ، والله إن كنت لها أهلا .
وقال علوان بن داود البجلي ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن صالح بن كيسان ، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه . وقد رواه الليث بن سعد ، عن علوان ، عن صالح نفسه ، قال : دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه فسلمت عليه وسألته : كيف أصبحت ؟ فقال : بحمد الله بارئا ، أما إني على ما ترى وجع ، وجعلتم لي شغلا مع وجعي ، جعلت لكم عهدا بعدي ، واخترت لكم خيركم في نفسي ، فكلكم ورم لذلك أنفه رجاء أن يكون الأمر له .
ثم قال : أما إني لا آسى على شيء إلا على ثلاث فعلتهن ، وثلاث لم أفعلهن ، وثلاث وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن : وددت أني لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته وإن أغلق على الخرب ، وددت - ص 18 - أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق عمر أو أبي عبيدة ، ووددت أني كنت وجهت خالد بن الوليد إلى أهل الردة وأقمت بذي القصة ، فإن ظفر المسلمون وإلا كنت لهم مددا وردءا ، ووددت أني يوم أتيت بالأشعث أسيرا ضربت عنقه ، فإنه يخيل إلي أنه لا يكون شر إلا طار إليه ، ووددت أني يوم أتيت بالفجاءة السلمي لم أكن حرقته وقتلته أو أطلقته ، ووددت أني حيث وجهت خالد بن الوليد إلى الشام وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق ، فأكون قد بسطت يميني وشمالي في سبيل الله . ووددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في من هذا الأمر ولا ينازعه أهله ، وأني سألته هل للأنصار في هذا الأمر شيء ؟ وأني كنت سألته عن العمة وبنت الأخ ، فإن في نفسي منها حاجة . رواه هكذا ، وأطول من هذا ابن وهب ، عن الليث بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، أخرجه كذلك ابن عائذ .
وقال محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص ، عن أبيه ، عن جده ، أن عائشة قالت : حضرت أبي وهو يموت فأخذته غشية فتمثلت :
من لا يزال دمعه مقنعا فإنـه لا بـد مرة مدفوق
فرفع رأسه وقال : يا بنية ليس كذلك ، ولكن كما قال الله تعالى : وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ( ق ) وقال موسى الجهني ، عن أبي بكر بن حفص بن عمر أن عائشة تمثلت لما احتضر أبو بكر :
لعمـرك مـا يغنـي الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فقال : ليس كذلك ، ولكن :
وجاءت سكرة الموت بالحق
إني قد - ص 19 - نحلتك حائطا وإن في نفسي منه شيئا فرديه على الميراث ، قالت : نعم ، قال : أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارا ولا درهما ، ولكنا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا ، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا ، وليس عندنا من فيء المسلمين شيء إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح وجرد هذه القطيفة ، فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر ، ففعلت .
وقال القاسم ، عن عائشة أن أبا بكر حين حضره الموت قال : إني لا أعلم عند آل أبي بكر غير هذه اللقحة وغير هذا الغلام الصيقل ، كان يعمل سيوف المسلمين ويخدمنا ، فإذا مت فادفعيه إلى عمر ، فلما دفعته إلى عمر قال : رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده .
وقال الزهري : أوصى أبو بكر أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس ، فإن لم تستطع استعانت بابنه عبد الرحمن .
وقال عبد الواحد بن أيمن وغيره ، عن أبي جعفر الباقر ، قال : دخل علي على أبي بكر بعدما سجي ، فقال : ما أحد ألقى الله بصحيفته أحب إلي من هذا المسجى .
وعن القاسم ، قال : أوصى أبو بكر أن يدفن إلى جنب رسول الله فحفر له ، وجعل رأسه عند كتفي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .
وعن عامر بن عبد الله بن الزبير ، قال : رأس أبي بكر عند كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأس عمر عند حقوي أبي بكر .
وقالت عائشة : مات ليلة الثلاثاء ، ودفن قبل أن يصبح .
وعن مجاهد ، قال : كلم أبو قحافة في ميراثه من ابنه ، فقال : قد رددت ذلك على ولده ، ثم لم يعش بعده إلا ستة أشهر وأياما .
وجاء أنه ورثه أبوه وزوجتاه أسماء بنت عميس ، وحبيبة بنت - ص 20 - خارجة والدة أم كلثوم ، وعبد الرحمن ، ومحمد ، وعائشة ، وأسماء ، وأم كلثوم .
ويقال : إن اليهود سمته في أرزة فمات بعد سنة ، وله ثلاث وستون سنة ، رضي الله عنه وأرضاه .
وعن عائشة ، قالت : اسمه الذي سماه أهله به " عبد الله " ولكن غلب عليه " عتيق "
وقال ابن معين : لقبه عتيق ؛ لأن وجهه كان جميلا ، وكذا قال الليث بن سعد .
وقال غيره : كان أعلم قريش بأنسابها . وقيل : كان أبيض ، نحيفا ، خفيف العارضين ، معروق الوجه ، غائر العينين ، ناتئ الجبهة ، يخضب شيبه بالحناء والكتم .
وكان أول من آمن من الرجال . وقال ابن الأعرابي : العرب تقول للشيء قد بلغ النهاية في الجودة : عتيق . وعن عائشة ، قالت : ما أسلم أبو أحد من المهاجرين إلا أبو بكر . وعن الزهري ، قال : كان أبو بكر أبيض أصفر لطيفا جعدا مسترق الوركين ، لا يثبت إزاره على وركيه . وجاء أنه اتجر إلى بصرى غير مرة ، وأنه أنفق أمواله على النبي صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر " . وقال عروة بن الزبير : أسلم أبو بكر يوم أسلم وله أربعون ألف دينار . وقال عمرو بن العاص : يا رسول الله ، أي الرجال أحب إليك ؟ قال : " أبو بكر " . وقال أبو سفيان ، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يبغض أبا بكر وعمر مؤمن ، ولا يحبهما منافق " .
وقال الشعبي ، عن الحارث ، عن علي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أبي - ص 9 - بكر وعمر ، فقال : " هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين ، إلا النبيين والمرسلين ، ولا تخبرهما يا علي " وروي نحوه من وجوه مقاربة عن زر بن حبيش ، وعن عاصم بن ضمرة ، وهرم ، عن علي . وقال طلحة بن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس مثله . وقال محمد بن كثير ، عن الأوزاعي ، عن قتادة ، عن أنس مثله . أخرجه الترمذي قال : حديث حسن غريب . ثم رواه من حديث الموقري ، عن الزهري ، ولم يصح . قال ابن مسعود : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا " . روى مثله ابن عباس ، فزاد : " ولكن أخي وصاحبي في الله ، سدوا كل خوجة الخوخة : باب صغير كالنافذة . في المسجد غير خوخة أبي بكر " . هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن عمر أنه قال : أبو بكر سيدنا وخيرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صححه الترمذي . - ص 10 - وصحح من حديث الجريري ، عن عبد الله بن شقيق ، قال : قلت لعائشة أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان أحب إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : أبو بكر ، قلت : ثم من ؟ قالت : عمر ، قلت : ثم من ؟ قالت : أبو عبيدة ، قلت : ثم من ؟ فسكتت . مالك في " الموطأ " عن أبي النضر ، عن عبيد بن حنين ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ، فقال : " إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده " فقال أبو بكر : فديناك يا رسول الله بآبائنا وأمهاتنا ، قال : فعجبنا ، فقال الناس : انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله ، وهو يقول : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير ، وكان أبو بكر أعلمنا به ، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : " إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوة الإسلام ، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر " متفق على صحته .
وقال أبو عوانة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن ابن أبي المعلى ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه ، والأول أصح . - ص 11 - وعن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه ما خلا أبا بكر ، فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة ، وما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ألا وإن صاحبكم خليل الله " قال الترمذي : حديث حسن غريب . وكذا قال في حديث كثير النواء ، عن جميع بن عمير ، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر : " أنت صاحبي على الحوض ، وصاحبي في الغار " .
وروى عن القاسم ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره " تفرد به عيسى بن ميمون ، عن القاسم ، وهو متروك الحديث .
وقال محمد بن جبير بن مطعم : أخبرني أبي أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته في شيء فأمرها بأمر ، فقالت : أرأيت يا رسول الله إن لم أجدك ؟ قال : " إن لم تجديني فأتي أبا بكر " متفق على صحته .
وقال أبو بكر الهذلي ، عن الحسن ، عن علي ، قال : لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس ، وإني لشاهد وما بي مرض ، فرضينا - ص 12 - لدنيانا من رضي به النبي صلى الله عليه وسلم لديننا .
وقال صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه : " ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا ، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل ، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " . هذا حديث صحيح .
وقال نافع بن عمر : حدثنا ابن أبي مليكة ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه : " ادعوا لي أبا بكر وابنه فليكتب ، لكيلا يطمع في أمر أبي بكر طامع ولا يتمنى متمن " ثم قال : " يأبى الله ذلك والمسلمون " تابعه غير واحد ، منهم عبد العزيز بن رفيع ، عن ابن أبي مليكة ، ولفظه : " معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر " .
وقال زائدة ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله ، قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير ، فأتاهم عمر فقال : ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر فأم الناس ، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ؟ فقالوا : نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر ، رضي الله عنه .
وأخرج البخاري من حديث أبي إدريس الخولاني ، قال : سمعت أبا الدرداء يقول : كان بين أبي بكر وعمر محاورة ، فأغضب أبو بكر عمر ، فانصرف عنه عمر مغضبا ، فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له ، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه ، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو الدرداء : ونحن عنده ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما صاحبكم هذا - ص 13 - فقد غامر " . قال : وندم عمر على ما كان منه ، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقص على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر ، قال أبو الدرداء : وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل أبو بكر يقول : والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هل أنتم تاركو لي صاحبي ؟ إني قلت : يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ، فقلتم : كذبت ، وقال أبو بكر : صدقت " .
وأخرج أبو داود من حديث عبد السلام بن حرب ، عن أبي خالد الدالاني ، قال : حدثني أبو خالد مولى جعدة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أتاني جبريل فأخذ بيدي ، فأراني الباب الذي تدخل منه أمتي الجنة " فقال أبو بكر : وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه ، قال : " أما إنك أول من يدخل الجنة من أمتي " أبو خالد مولى جعدة لا يعرف إلا بهذا الحديث .
وقال إسماعيل بن سميع ، عن مسلم البطين ، عن أبي البختري ، قال : قال عمر لأبي عبيدة : ابسط يدك حتى أبايعك ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أنت أمين هذه الأمة " ، فقال : ما كنت لأتقدم بين يدي رجل أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤمنا ، فأمنا حتى مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وقال أبو بكر بن عياش : أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن ؛ لأن في القرآن في المهاجرين : أولئك هم الصادقون [ الحجرات ] فمن سماه الله صادقا لم يكذب ، هم سموه ، وقالوا : يا خليفة رسول الله .
وقال إبراهيم بن طهمان ، عن خالد الحذاء ، عن حميد بن هلال ، - ص 14 - قال : لما بويع أبو بكر أصبح وعلى ساعده أبراد ، فقال عمر : ما هذا ؟ قال : يعني لي عيال ، فقال : انطلق يفرض لك أبو عبيدة . فانطلقنا إلى أبي عبيدة ، فقال : أفرض لك قوت رجل من المهاجرين وكسوته ، ولك ظهرك إلى البيت .
وقالت عائشة : لما استخلف أبو بكر ألقى كل دينار ودرهم عنده في بيت المال ، وقال : قد كنت أتجر فيه وألتمس به ، فلما وليتهم شغلوني . وقال عطاء بن السائب : لما استخلف أبو بكر أصبح وعلى رقبته أثواب يتجر فيها ، فلقيه عمر وأبو عبيدة فكلماه ، فقال : فمن أين أطعم عيالي ؟ قالا : انطلق حتى نفرض لك . قال : ففرضوا له كل يوم شطر شاة ، وماكسوه في الرأس والبطن . وقال عمر : إلي القضاء ، وقال أبو عبيدة : إلي الفيء . فقال عمر : لقد كان يأتي علي الشهر ما يختصم إلي فيه اثنان .
وعن ميمون بن مهران ، قال : جعلوا له ألفين وخمسمائة .
وقال محمد بن سيرين : كان أبو بكر أعبر هذه الأمة لرؤيا بعد النبي ، صلى الله عليه وسلم .
وقال الزبير بن بكار ، عن بعض أشياخه ، قال : خطباء الصحابة : أبو بكر ، وعلي .
وقال عنبسة بن عبد الواحد : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، عن - ص 15 - عروة ، عن عائشة أنها كانت تدعو على من زعم أن أبا بكر قال هذه الأبيات ، وقالت : والله ما قال أبو بكر شعرا في جاهلية ولا في إسلام ، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية .
وقال كثير النواء ، عن أبي جعفر الباقر : إن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي : ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا [ الحجر ] الآية .
وقال حصين ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عمر صعد المنبر ، ثم قال : ألا إن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ، فمن قال غير ذلك بعد مقامي هذا فهو مفتر ، عليه ما على المفتري .
وقال أبو معاوية وجماعة : حدثنا سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، قال : كنا نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب أبو بكر ، وعمر ، وعثمان استوى الناس ، فيبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكره .
وقال علي ، رضي الله عنه : خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ، وعمر . هذا والله العظيم قاله علي ، وهو متواتر عنه ؛ لأنه قاله على منبر الكوفة ، فلعن الله الرافضة ما أجهلهم .
وقال السدي ، عن عبد خير ، عن علي ، قال : أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر ، كان أول من جمع القرآن بين اللوحين . إسناده حسن .
وقال عقيل ، عن الزهري أن أبا بكر والحارث بن كلدة كانا يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر ، فقال الحارث : ارفع يدك يا خليفة رسول الله ، والله إن فيها لسم سنة ، وأنا وأنت نموت في يوم واحد ، قال : فلم - ص 16 - يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة .
وعن عائشة ، قالت : أول ما بدئ مرض أبي بكر أنه اغتسل ، وكان يوما باردا فحم خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة ، وكان يأمر عمر بالصلاة ، وكانوا يعودونه ، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه . وتوفي مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة . وكانت خلافته سنتين ومائة يوم .
وقال أبو معشر : سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليال ، عن ثلاث وستين سنة .
وقال الواقدي : أخبرني ابن أبي سبرة ، عن عبد المجيد بن سهيل ، عن أبي سلمة . قال : وأخبرنا بردان بن أبي النضر ، عن محمد بن إبراهيم التيمي . وأخبرنا عمرو بن عبد الله ، عن أبي النضر ، عن عبد الله النخعي ، دخل حديث بعضهم في بعض : أن أبا بكر لما ثقل دعا عبد الرحمن بن عوف ، فقال : أخبرني عن عمر ، فقال : ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني ، قال : وإن ، فقال : هو والله أفضل من رأيك فيه . ثم دعا عثمان فسأله عن عمر ، فقال : علمي فيه أن سريرته خير من علانيته ، وأنه ليس فينا مثله . فقال : يرحمك الله ، والله لو تركته ما عدوتك ، وشاور معهما سعيد بن زيد ، وأسيد بن الحضير وغيرهما ، فقال قائل : ما تقول لربك إذا سألك عن استخلافك عمر وقد ترى غلظته ؟ فقال : أجلسوني ، أبالله تخوفوني ؟ أقول : استخلفت عليهم خير أهلك .
ثم دعا عثمان ، فقال : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها ، وعند أول - ص 17 - عهده بالآخرة داخلا فيها ، حيث يؤمن الكافر ، ويوقن الفاجر ، ويصدق الكاذب ، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا ، وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرا ، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه ، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب ، والخير أردت ولا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [ الشعراء ]
وقال بعضهم في الحديث : لما أن كتب عثمان الكتاب أغمي على أبي بكر ، فكتب عثمان من عنده اسم عمر ، فلما أفاق أبو بكر قال : اقرأ ما كتبت ، فقرأ ، فلما ذكر عمر كبر أبو بكر ، وقال : أراك خفت إن افتلتت نفسي الاختلاف ، فجزاك الله عن الإسلام خيرا ، والله إن كنت لها أهلا .
وقال علوان بن داود البجلي ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن صالح بن كيسان ، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه . وقد رواه الليث بن سعد ، عن علوان ، عن صالح نفسه ، قال : دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه فسلمت عليه وسألته : كيف أصبحت ؟ فقال : بحمد الله بارئا ، أما إني على ما ترى وجع ، وجعلتم لي شغلا مع وجعي ، جعلت لكم عهدا بعدي ، واخترت لكم خيركم في نفسي ، فكلكم ورم لذلك أنفه رجاء أن يكون الأمر له .
ثم قال : أما إني لا آسى على شيء إلا على ثلاث فعلتهن ، وثلاث لم أفعلهن ، وثلاث وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن : وددت أني لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته وإن أغلق على الخرب ، وددت - ص 18 - أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق عمر أو أبي عبيدة ، ووددت أني كنت وجهت خالد بن الوليد إلى أهل الردة وأقمت بذي القصة ، فإن ظفر المسلمون وإلا كنت لهم مددا وردءا ، ووددت أني يوم أتيت بالأشعث أسيرا ضربت عنقه ، فإنه يخيل إلي أنه لا يكون شر إلا طار إليه ، ووددت أني يوم أتيت بالفجاءة السلمي لم أكن حرقته وقتلته أو أطلقته ، ووددت أني حيث وجهت خالد بن الوليد إلى الشام وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق ، فأكون قد بسطت يميني وشمالي في سبيل الله . ووددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في من هذا الأمر ولا ينازعه أهله ، وأني سألته هل للأنصار في هذا الأمر شيء ؟ وأني كنت سألته عن العمة وبنت الأخ ، فإن في نفسي منها حاجة . رواه هكذا ، وأطول من هذا ابن وهب ، عن الليث بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، أخرجه كذلك ابن عائذ .
وقال محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص ، عن أبيه ، عن جده ، أن عائشة قالت : حضرت أبي وهو يموت فأخذته غشية فتمثلت :
من لا يزال دمعه مقنعا فإنـه لا بـد مرة مدفوق
فرفع رأسه وقال : يا بنية ليس كذلك ، ولكن كما قال الله تعالى : وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ( ق ) وقال موسى الجهني ، عن أبي بكر بن حفص بن عمر أن عائشة تمثلت لما احتضر أبو بكر :
لعمـرك مـا يغنـي الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فقال : ليس كذلك ، ولكن :
وقال القاسم ، عن عائشة أن أبا بكر حين حضره الموت قال : إني لا أعلم عند آل أبي بكر غير هذه اللقحة وغير هذا الغلام الصيقل ، كان يعمل سيوف المسلمين ويخدمنا ، فإذا مت فادفعيه إلى عمر ، فلما دفعته إلى عمر قال : رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده .
وقال الزهري : أوصى أبو بكر أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس ، فإن لم تستطع استعانت بابنه عبد الرحمن .
وقال عبد الواحد بن أيمن وغيره ، عن أبي جعفر الباقر ، قال : دخل علي على أبي بكر بعدما سجي ، فقال : ما أحد ألقى الله بصحيفته أحب إلي من هذا المسجى .
وعن القاسم ، قال : أوصى أبو بكر أن يدفن إلى جنب رسول الله فحفر له ، وجعل رأسه عند كتفي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .
وعن عامر بن عبد الله بن الزبير ، قال : رأس أبي بكر عند كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأس عمر عند حقوي أبي بكر .
وقالت عائشة : مات ليلة الثلاثاء ، ودفن قبل أن يصبح .
وعن مجاهد ، قال : كلم أبو قحافة في ميراثه من ابنه ، فقال : قد رددت ذلك على ولده ، ثم لم يعش بعده إلا ستة أشهر وأياما .
وجاء أنه ورثه أبوه وزوجتاه أسماء بنت عميس ، وحبيبة بنت - ص 20 - خارجة والدة أم كلثوم ، وعبد الرحمن ، ومحمد ، وعائشة ، وأسماء ، وأم كلثوم .
ويقال : إن اليهود سمته في أرزة فمات بعد سنة ، وله ثلاث وستون سنة ، رضي الله عنه وأرضاه .
اسمه عبد الله - ويقال عتيق بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي رضي الله عنه . روى عنه خلق من الصحابة وقدماء التابعين ، من آخرهم : أنس بن مالك ، وطارق بن شهاب ، وقيس بن أبي حازم ، ومرة الطيب . قال ابن أبي مليكة وغيره ، إنما كان عتيق لقبا له .
وعن عائشة ، قالت : اسمه الذي سماه أهله به " عبد الله " ولكن غلب عليه " عتيق "
وقال ابن معين : لقبه عتيق ؛ لأن وجهه كان جميلا ، وكذا قال الليث بن سعد .
وقال غيره : كان أعلم قريش بأنسابها . وقيل : كان أبيض ، نحيفا ، خفيف العارضين ، معروق الوجه ، غائر العينين ، ناتئ الجبهة ، يخضب شيبه بالحناء والكتم .
وكان أول من آمن من الرجال . وقال ابن الأعرابي : العرب تقول للشيء قد بلغ النهاية في الجودة : عتيق . وعن عائشة ، قالت : ما أسلم أبو أحد من المهاجرين إلا أبو بكر . وعن الزهري ، قال : كان أبو بكر أبيض أصفر لطيفا جعدا مسترق الوركين ، لا يثبت إزاره على وركيه . وجاء أنه اتجر إلى بصرى غير مرة ، وأنه أنفق أمواله على النبي صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر " . وقال عروة بن الزبير : أسلم أبو بكر يوم أسلم وله أربعون ألف دينار . وقال عمرو بن العاص : يا رسول الله ، أي الرجال أحب إليك ؟ قال : " أبو بكر " . وقال أبو سفيان ، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يبغض أبا بكر وعمر مؤمن ، ولا يحبهما منافق " .
وقال الشعبي ، عن الحارث ، عن علي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أبي - ص 9 - بكر وعمر ، فقال : " هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين ، إلا النبيين والمرسلين ، ولا تخبرهما يا علي " وروي نحوه من وجوه مقاربة عن زر بن حبيش ، وعن عاصم بن ضمرة ، وهرم ، عن علي . وقال طلحة بن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس مثله . وقال محمد بن كثير ، عن الأوزاعي ، عن قتادة ، عن أنس مثله . أخرجه الترمذي قال : حديث حسن غريب . ثم رواه من حديث الموقري ، عن الزهري ، ولم يصح . قال ابن مسعود : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا " . روى مثله ابن عباس ، فزاد : " ولكن أخي وصاحبي في الله ، سدوا كل خوجة الخوخة : باب صغير كالنافذة . في المسجد غير خوخة أبي بكر " . هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن عمر أنه قال : أبو بكر سيدنا وخيرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صححه الترمذي . - ص 10 - وصحح من حديث الجريري ، عن عبد الله بن شقيق ، قال : قلت لعائشة أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان أحب إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : أبو بكر ، قلت : ثم من ؟ قالت : عمر ، قلت : ثم من ؟ قالت : أبو عبيدة ، قلت : ثم من ؟ فسكتت . مالك في " الموطأ " عن أبي النضر ، عن عبيد بن حنين ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ، فقال : " إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده " فقال أبو بكر : فديناك يا رسول الله بآبائنا وأمهاتنا ، قال : فعجبنا ، فقال الناس : انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله ، وهو يقول : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير ، وكان أبو بكر أعلمنا به ، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : " إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوة الإسلام ، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر " متفق على صحته .
وقال أبو عوانة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن ابن أبي المعلى ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه ، والأول أصح . - ص 11 - وعن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه ما خلا أبا بكر ، فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة ، وما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ألا وإن صاحبكم خليل الله " قال الترمذي : حديث حسن غريب . وكذا قال في حديث كثير النواء ، عن جميع بن عمير ، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر : " أنت صاحبي على الحوض ، وصاحبي في الغار " .
وروى عن القاسم ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره " تفرد به عيسى بن ميمون ، عن القاسم ، وهو متروك الحديث .
وقال محمد بن جبير بن مطعم : أخبرني أبي أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته في شيء فأمرها بأمر ، فقالت : أرأيت يا رسول الله إن لم أجدك ؟ قال : " إن لم تجديني فأتي أبا بكر " متفق على صحته .
وقال أبو بكر الهذلي ، عن الحسن ، عن علي ، قال : لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس ، وإني لشاهد وما بي مرض ، فرضينا - ص 12 - لدنيانا من رضي به النبي صلى الله عليه وسلم لديننا .
وقال صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه : " ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا ، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل ، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " . هذا حديث صحيح .
وقال نافع بن عمر : حدثنا ابن أبي مليكة ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه : " ادعوا لي أبا بكر وابنه فليكتب ، لكيلا يطمع في أمر أبي بكر طامع ولا يتمنى متمن " ثم قال : " يأبى الله ذلك والمسلمون " تابعه غير واحد ، منهم عبد العزيز بن رفيع ، عن ابن أبي مليكة ، ولفظه : " معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر " .
وقال زائدة ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله ، قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير ، فأتاهم عمر فقال : ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر فأم الناس ، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ؟ فقالوا : نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر ، رضي الله عنه .
وأخرج البخاري من حديث أبي إدريس الخولاني ، قال : سمعت أبا الدرداء يقول : كان بين أبي بكر وعمر محاورة ، فأغضب أبو بكر عمر ، فانصرف عنه عمر مغضبا ، فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له ، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه ، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو الدرداء : ونحن عنده ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما صاحبكم هذا - ص 13 - فقد غامر " . قال : وندم عمر على ما كان منه ، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقص على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر ، قال أبو الدرداء : وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل أبو بكر يقول : والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هل أنتم تاركو لي صاحبي ؟ إني قلت : يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ، فقلتم : كذبت ، وقال أبو بكر : صدقت " .
وأخرج أبو داود من حديث عبد السلام بن حرب ، عن أبي خالد الدالاني ، قال : حدثني أبو خالد مولى جعدة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أتاني جبريل فأخذ بيدي ، فأراني الباب الذي تدخل منه أمتي الجنة " فقال أبو بكر : وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه ، قال : " أما إنك أول من يدخل الجنة من أمتي " أبو خالد مولى جعدة لا يعرف إلا بهذا الحديث .
وقال إسماعيل بن سميع ، عن مسلم البطين ، عن أبي البختري ، قال : قال عمر لأبي عبيدة : ابسط يدك حتى أبايعك ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أنت أمين هذه الأمة " ، فقال : ما كنت لأتقدم بين يدي رجل أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤمنا ، فأمنا حتى مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وقال أبو بكر بن عياش : أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن ؛ لأن في القرآن في المهاجرين : أولئك هم الصادقون [ الحجرات ] فمن سماه الله صادقا لم يكذب ، هم سموه ، وقالوا : يا خليفة رسول الله .
وقال إبراهيم بن طهمان ، عن خالد الحذاء ، عن حميد بن هلال ، - ص 14 - قال : لما بويع أبو بكر أصبح وعلى ساعده أبراد ، فقال عمر : ما هذا ؟ قال : يعني لي عيال ، فقال : انطلق يفرض لك أبو عبيدة . فانطلقنا إلى أبي عبيدة ، فقال : أفرض لك قوت رجل من المهاجرين وكسوته ، ولك ظهرك إلى البيت .
وقالت عائشة : لما استخلف أبو بكر ألقى كل دينار ودرهم عنده في بيت المال ، وقال : قد كنت أتجر فيه وألتمس به ، فلما وليتهم شغلوني . وقال عطاء بن السائب : لما استخلف أبو بكر أصبح وعلى رقبته أثواب يتجر فيها ، فلقيه عمر وأبو عبيدة فكلماه ، فقال : فمن أين أطعم عيالي ؟ قالا : انطلق حتى نفرض لك . قال : ففرضوا له كل يوم شطر شاة ، وماكسوه في الرأس والبطن . وقال عمر : إلي القضاء ، وقال أبو عبيدة : إلي الفيء . فقال عمر : لقد كان يأتي علي الشهر ما يختصم إلي فيه اثنان .
وعن ميمون بن مهران ، قال : جعلوا له ألفين وخمسمائة .
وقال محمد بن سيرين : كان أبو بكر أعبر هذه الأمة لرؤيا بعد النبي ، صلى الله عليه وسلم .
وقال الزبير بن بكار ، عن بعض أشياخه ، قال : خطباء الصحابة : أبو بكر ، وعلي .
وقال عنبسة بن عبد الواحد : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، عن - ص 15 - عروة ، عن عائشة أنها كانت تدعو على من زعم أن أبا بكر قال هذه الأبيات ، وقالت : والله ما قال أبو بكر شعرا في جاهلية ولا في إسلام ، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية .
وقال كثير النواء ، عن أبي جعفر الباقر : إن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي : ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا [ الحجر ] الآية .
وقال حصين ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عمر صعد المنبر ، ثم قال : ألا إن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ، فمن قال غير ذلك بعد مقامي هذا فهو مفتر ، عليه ما على المفتري .
وقال أبو معاوية وجماعة : حدثنا سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، قال : كنا نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب أبو بكر ، وعمر ، وعثمان استوى الناس ، فيبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكره .
وقال علي ، رضي الله عنه : خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ، وعمر . هذا والله العظيم قاله علي ، وهو متواتر عنه ؛ لأنه قاله على منبر الكوفة ، فلعن الله الرافضة ما أجهلهم .
وقال السدي ، عن عبد خير ، عن علي ، قال : أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر ، كان أول من جمع القرآن بين اللوحين . إسناده حسن .
وقال عقيل ، عن الزهري أن أبا بكر والحارث بن كلدة كانا يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر ، فقال الحارث : ارفع يدك يا خليفة رسول الله ، والله إن فيها لسم سنة ، وأنا وأنت نموت في يوم واحد ، قال : فلم - ص 16 - يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة .
وعن عائشة ، قالت : أول ما بدئ مرض أبي بكر أنه اغتسل ، وكان يوما باردا فحم خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة ، وكان يأمر عمر بالصلاة ، وكانوا يعودونه ، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه . وتوفي مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة . وكانت خلافته سنتين ومائة يوم .
وقال أبو معشر : سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليال ، عن ثلاث وستين سنة .
وقال الواقدي : أخبرني ابن أبي سبرة ، عن عبد المجيد بن سهيل ، عن أبي سلمة . قال : وأخبرنا بردان بن أبي النضر ، عن محمد بن إبراهيم التيمي . وأخبرنا عمرو بن عبد الله ، عن أبي النضر ، عن عبد الله النخعي ، دخل حديث بعضهم في بعض : أن أبا بكر لما ثقل دعا عبد الرحمن بن عوف ، فقال : أخبرني عن عمر ، فقال : ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني ، قال : وإن ، فقال : هو والله أفضل من رأيك فيه . ثم دعا عثمان فسأله عن عمر ، فقال : علمي فيه أن سريرته خير من علانيته ، وأنه ليس فينا مثله . فقال : يرحمك الله ، والله لو تركته ما عدوتك ، وشاور معهما سعيد بن زيد ، وأسيد بن الحضير وغيرهما ، فقال قائل : ما تقول لربك إذا سألك عن استخلافك عمر وقد ترى غلظته ؟ فقال : أجلسوني ، أبالله تخوفوني ؟ أقول : استخلفت عليهم خير أهلك .
ثم دعا عثمان ، فقال : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها ، وعند أول - ص 17 - عهده بالآخرة داخلا فيها ، حيث يؤمن الكافر ، ويوقن الفاجر ، ويصدق الكاذب ، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا ، وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرا ، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه ، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب ، والخير أردت ولا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [ الشعراء ]
وقال بعضهم في الحديث : لما أن كتب عثمان الكتاب أغمي على أبي بكر ، فكتب عثمان من عنده اسم عمر ، فلما أفاق أبو بكر قال : اقرأ ما كتبت ، فقرأ ، فلما ذكر عمر كبر أبو بكر ، وقال : أراك خفت إن افتلتت نفسي الاختلاف ، فجزاك الله عن الإسلام خيرا ، والله إن كنت لها أهلا .
وقال علوان بن داود البجلي ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن صالح بن كيسان ، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه . وقد رواه الليث بن سعد ، عن علوان ، عن صالح نفسه ، قال : دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه فسلمت عليه وسألته : كيف أصبحت ؟ فقال : بحمد الله بارئا ، أما إني على ما ترى وجع ، وجعلتم لي شغلا مع وجعي ، جعلت لكم عهدا بعدي ، واخترت لكم خيركم في نفسي ، فكلكم ورم لذلك أنفه رجاء أن يكون الأمر له .
ثم قال : أما إني لا آسى على شيء إلا على ثلاث فعلتهن ، وثلاث لم أفعلهن ، وثلاث وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن : وددت أني لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته وإن أغلق على الخرب ، وددت - ص 18 - أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق عمر أو أبي عبيدة ، ووددت أني كنت وجهت خالد بن الوليد إلى أهل الردة وأقمت بذي القصة ، فإن ظفر المسلمون وإلا كنت لهم مددا وردءا ، ووددت أني يوم أتيت بالأشعث أسيرا ضربت عنقه ، فإنه يخيل إلي أنه لا يكون شر إلا طار إليه ، ووددت أني يوم أتيت بالفجاءة السلمي لم أكن حرقته وقتلته أو أطلقته ، ووددت أني حيث وجهت خالد بن الوليد إلى الشام وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق ، فأكون قد بسطت يميني وشمالي في سبيل الله . ووددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في من هذا الأمر ولا ينازعه أهله ، وأني سألته هل للأنصار في هذا الأمر شيء ؟ وأني كنت سألته عن العمة وبنت الأخ ، فإن في نفسي منها حاجة . رواه هكذا ، وأطول من هذا ابن وهب ، عن الليث بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، أخرجه كذلك ابن عائذ .
وقال محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص ، عن أبيه ، عن جده ، أن عائشة قالت : حضرت أبي وهو يموت فأخذته غشية فتمثلت :
من لا يزال دمعه مقنعا فإنـه لا بـد مرة مدفوق
فرفع رأسه وقال : يا بنية ليس كذلك ، ولكن كما قال الله تعالى : وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ( ق ) وقال موسى الجهني ، عن أبي بكر بن حفص بن عمر أن عائشة تمثلت لما احتضر أبو بكر :
لعمـرك مـا يغنـي الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فقال : ليس كذلك ، ولكن :
وجاءت سكرة الموت بالحق
إني قد - ص 19 - نحلتك حائطا وإن في نفسي منه شيئا فرديه على الميراث ، قالت : نعم ، قال : أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارا ولا درهما ، ولكنا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا ، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا ، وليس عندنا من فيء المسلمين شيء إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح وجرد هذه القطيفة ، فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر ، ففعلت .
وقال القاسم ، عن عائشة أن أبا بكر حين حضره الموت قال : إني لا أعلم عند آل أبي بكر غير هذه اللقحة وغير هذا الغلام الصيقل ، كان يعمل سيوف المسلمين ويخدمنا ، فإذا مت فادفعيه إلى عمر ، فلما دفعته إلى عمر قال : رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده .
وقال الزهري : أوصى أبو بكر أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس ، فإن لم تستطع استعانت بابنه عبد الرحمن .
وقال عبد الواحد بن أيمن وغيره ، عن أبي جعفر الباقر ، قال : دخل علي على أبي بكر بعدما سجي ، فقال : ما أحد ألقى الله بصحيفته أحب إلي من هذا المسجى .
وعن القاسم ، قال : أوصى أبو بكر أن يدفن إلى جنب رسول الله فحفر له ، وجعل رأسه عند كتفي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .
وعن عامر بن عبد الله بن الزبير ، قال : رأس أبي بكر عند كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأس عمر عند حقوي أبي بكر .
وقالت عائشة : مات ليلة الثلاثاء ، ودفن قبل أن يصبح .
وعن مجاهد ، قال : كلم أبو قحافة في ميراثه من ابنه ، فقال : قد رددت ذلك على ولده ، ثم لم يعش بعده إلا ستة أشهر وأياما .
وجاء أنه ورثه أبوه وزوجتاه أسماء بنت عميس ، وحبيبة بنت - ص 20 - خارجة والدة أم كلثوم ، وعبد الرحمن ، ومحمد ، وعائشة ، وأسماء ، وأم كلثوم .
ويقال : إن اليهود سمته في أرزة فمات بعد سنة ، وله ثلاث وستون سنة ، رضي الله عنه وأرضاه .
وعن عائشة ، قالت : اسمه الذي سماه أهله به " عبد الله " ولكن غلب عليه " عتيق "
وقال ابن معين : لقبه عتيق ؛ لأن وجهه كان جميلا ، وكذا قال الليث بن سعد .
وقال غيره : كان أعلم قريش بأنسابها . وقيل : كان أبيض ، نحيفا ، خفيف العارضين ، معروق الوجه ، غائر العينين ، ناتئ الجبهة ، يخضب شيبه بالحناء والكتم .
وكان أول من آمن من الرجال . وقال ابن الأعرابي : العرب تقول للشيء قد بلغ النهاية في الجودة : عتيق . وعن عائشة ، قالت : ما أسلم أبو أحد من المهاجرين إلا أبو بكر . وعن الزهري ، قال : كان أبو بكر أبيض أصفر لطيفا جعدا مسترق الوركين ، لا يثبت إزاره على وركيه . وجاء أنه اتجر إلى بصرى غير مرة ، وأنه أنفق أمواله على النبي صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر " . وقال عروة بن الزبير : أسلم أبو بكر يوم أسلم وله أربعون ألف دينار . وقال عمرو بن العاص : يا رسول الله ، أي الرجال أحب إليك ؟ قال : " أبو بكر " . وقال أبو سفيان ، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يبغض أبا بكر وعمر مؤمن ، ولا يحبهما منافق " .
وقال الشعبي ، عن الحارث ، عن علي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أبي - ص 9 - بكر وعمر ، فقال : " هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين ، إلا النبيين والمرسلين ، ولا تخبرهما يا علي " وروي نحوه من وجوه مقاربة عن زر بن حبيش ، وعن عاصم بن ضمرة ، وهرم ، عن علي . وقال طلحة بن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس مثله . وقال محمد بن كثير ، عن الأوزاعي ، عن قتادة ، عن أنس مثله . أخرجه الترمذي قال : حديث حسن غريب . ثم رواه من حديث الموقري ، عن الزهري ، ولم يصح . قال ابن مسعود : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا " . روى مثله ابن عباس ، فزاد : " ولكن أخي وصاحبي في الله ، سدوا كل خوجة الخوخة : باب صغير كالنافذة . في المسجد غير خوخة أبي بكر " . هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن عمر أنه قال : أبو بكر سيدنا وخيرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صححه الترمذي . - ص 10 - وصحح من حديث الجريري ، عن عبد الله بن شقيق ، قال : قلت لعائشة أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان أحب إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : أبو بكر ، قلت : ثم من ؟ قالت : عمر ، قلت : ثم من ؟ قالت : أبو عبيدة ، قلت : ثم من ؟ فسكتت . مالك في " الموطأ " عن أبي النضر ، عن عبيد بن حنين ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ، فقال : " إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده " فقال أبو بكر : فديناك يا رسول الله بآبائنا وأمهاتنا ، قال : فعجبنا ، فقال الناس : انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله ، وهو يقول : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير ، وكان أبو بكر أعلمنا به ، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : " إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوة الإسلام ، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر " متفق على صحته .
وقال أبو عوانة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن ابن أبي المعلى ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه ، والأول أصح . - ص 11 - وعن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه ما خلا أبا بكر ، فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة ، وما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ألا وإن صاحبكم خليل الله " قال الترمذي : حديث حسن غريب . وكذا قال في حديث كثير النواء ، عن جميع بن عمير ، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر : " أنت صاحبي على الحوض ، وصاحبي في الغار " .
وروى عن القاسم ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره " تفرد به عيسى بن ميمون ، عن القاسم ، وهو متروك الحديث .
وقال محمد بن جبير بن مطعم : أخبرني أبي أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته في شيء فأمرها بأمر ، فقالت : أرأيت يا رسول الله إن لم أجدك ؟ قال : " إن لم تجديني فأتي أبا بكر " متفق على صحته .
وقال أبو بكر الهذلي ، عن الحسن ، عن علي ، قال : لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس ، وإني لشاهد وما بي مرض ، فرضينا - ص 12 - لدنيانا من رضي به النبي صلى الله عليه وسلم لديننا .
وقال صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه : " ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا ، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل ، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " . هذا حديث صحيح .
وقال نافع بن عمر : حدثنا ابن أبي مليكة ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه : " ادعوا لي أبا بكر وابنه فليكتب ، لكيلا يطمع في أمر أبي بكر طامع ولا يتمنى متمن " ثم قال : " يأبى الله ذلك والمسلمون " تابعه غير واحد ، منهم عبد العزيز بن رفيع ، عن ابن أبي مليكة ، ولفظه : " معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر " .
وقال زائدة ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله ، قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير ، فأتاهم عمر فقال : ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر فأم الناس ، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ؟ فقالوا : نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر ، رضي الله عنه .
وأخرج البخاري من حديث أبي إدريس الخولاني ، قال : سمعت أبا الدرداء يقول : كان بين أبي بكر وعمر محاورة ، فأغضب أبو بكر عمر ، فانصرف عنه عمر مغضبا ، فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له ، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه ، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو الدرداء : ونحن عنده ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما صاحبكم هذا - ص 13 - فقد غامر " . قال : وندم عمر على ما كان منه ، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقص على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر ، قال أبو الدرداء : وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل أبو بكر يقول : والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هل أنتم تاركو لي صاحبي ؟ إني قلت : يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ، فقلتم : كذبت ، وقال أبو بكر : صدقت " .
وأخرج أبو داود من حديث عبد السلام بن حرب ، عن أبي خالد الدالاني ، قال : حدثني أبو خالد مولى جعدة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أتاني جبريل فأخذ بيدي ، فأراني الباب الذي تدخل منه أمتي الجنة " فقال أبو بكر : وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه ، قال : " أما إنك أول من يدخل الجنة من أمتي " أبو خالد مولى جعدة لا يعرف إلا بهذا الحديث .
وقال إسماعيل بن سميع ، عن مسلم البطين ، عن أبي البختري ، قال : قال عمر لأبي عبيدة : ابسط يدك حتى أبايعك ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أنت أمين هذه الأمة " ، فقال : ما كنت لأتقدم بين يدي رجل أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤمنا ، فأمنا حتى مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وقال أبو بكر بن عياش : أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن ؛ لأن في القرآن في المهاجرين : أولئك هم الصادقون [ الحجرات ] فمن سماه الله صادقا لم يكذب ، هم سموه ، وقالوا : يا خليفة رسول الله .
وقال إبراهيم بن طهمان ، عن خالد الحذاء ، عن حميد بن هلال ، - ص 14 - قال : لما بويع أبو بكر أصبح وعلى ساعده أبراد ، فقال عمر : ما هذا ؟ قال : يعني لي عيال ، فقال : انطلق يفرض لك أبو عبيدة . فانطلقنا إلى أبي عبيدة ، فقال : أفرض لك قوت رجل من المهاجرين وكسوته ، ولك ظهرك إلى البيت .
وقالت عائشة : لما استخلف أبو بكر ألقى كل دينار ودرهم عنده في بيت المال ، وقال : قد كنت أتجر فيه وألتمس به ، فلما وليتهم شغلوني . وقال عطاء بن السائب : لما استخلف أبو بكر أصبح وعلى رقبته أثواب يتجر فيها ، فلقيه عمر وأبو عبيدة فكلماه ، فقال : فمن أين أطعم عيالي ؟ قالا : انطلق حتى نفرض لك . قال : ففرضوا له كل يوم شطر شاة ، وماكسوه في الرأس والبطن . وقال عمر : إلي القضاء ، وقال أبو عبيدة : إلي الفيء . فقال عمر : لقد كان يأتي علي الشهر ما يختصم إلي فيه اثنان .
وعن ميمون بن مهران ، قال : جعلوا له ألفين وخمسمائة .
وقال محمد بن سيرين : كان أبو بكر أعبر هذه الأمة لرؤيا بعد النبي ، صلى الله عليه وسلم .
وقال الزبير بن بكار ، عن بعض أشياخه ، قال : خطباء الصحابة : أبو بكر ، وعلي .
وقال عنبسة بن عبد الواحد : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، عن - ص 15 - عروة ، عن عائشة أنها كانت تدعو على من زعم أن أبا بكر قال هذه الأبيات ، وقالت : والله ما قال أبو بكر شعرا في جاهلية ولا في إسلام ، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية .
وقال كثير النواء ، عن أبي جعفر الباقر : إن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي : ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا [ الحجر ] الآية .
وقال حصين ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عمر صعد المنبر ، ثم قال : ألا إن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ، فمن قال غير ذلك بعد مقامي هذا فهو مفتر ، عليه ما على المفتري .
وقال أبو معاوية وجماعة : حدثنا سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، قال : كنا نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب أبو بكر ، وعمر ، وعثمان استوى الناس ، فيبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكره .
وقال علي ، رضي الله عنه : خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ، وعمر . هذا والله العظيم قاله علي ، وهو متواتر عنه ؛ لأنه قاله على منبر الكوفة ، فلعن الله الرافضة ما أجهلهم .
وقال السدي ، عن عبد خير ، عن علي ، قال : أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر ، كان أول من جمع القرآن بين اللوحين . إسناده حسن .
وقال عقيل ، عن الزهري أن أبا بكر والحارث بن كلدة كانا يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر ، فقال الحارث : ارفع يدك يا خليفة رسول الله ، والله إن فيها لسم سنة ، وأنا وأنت نموت في يوم واحد ، قال : فلم - ص 16 - يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة .
وعن عائشة ، قالت : أول ما بدئ مرض أبي بكر أنه اغتسل ، وكان يوما باردا فحم خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة ، وكان يأمر عمر بالصلاة ، وكانوا يعودونه ، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه . وتوفي مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة . وكانت خلافته سنتين ومائة يوم .
وقال أبو معشر : سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليال ، عن ثلاث وستين سنة .
وقال الواقدي : أخبرني ابن أبي سبرة ، عن عبد المجيد بن سهيل ، عن أبي سلمة . قال : وأخبرنا بردان بن أبي النضر ، عن محمد بن إبراهيم التيمي . وأخبرنا عمرو بن عبد الله ، عن أبي النضر ، عن عبد الله النخعي ، دخل حديث بعضهم في بعض : أن أبا بكر لما ثقل دعا عبد الرحمن بن عوف ، فقال : أخبرني عن عمر ، فقال : ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني ، قال : وإن ، فقال : هو والله أفضل من رأيك فيه . ثم دعا عثمان فسأله عن عمر ، فقال : علمي فيه أن سريرته خير من علانيته ، وأنه ليس فينا مثله . فقال : يرحمك الله ، والله لو تركته ما عدوتك ، وشاور معهما سعيد بن زيد ، وأسيد بن الحضير وغيرهما ، فقال قائل : ما تقول لربك إذا سألك عن استخلافك عمر وقد ترى غلظته ؟ فقال : أجلسوني ، أبالله تخوفوني ؟ أقول : استخلفت عليهم خير أهلك .
ثم دعا عثمان ، فقال : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها ، وعند أول - ص 17 - عهده بالآخرة داخلا فيها ، حيث يؤمن الكافر ، ويوقن الفاجر ، ويصدق الكاذب ، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا ، وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرا ، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه ، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب ، والخير أردت ولا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [ الشعراء ]
وقال بعضهم في الحديث : لما أن كتب عثمان الكتاب أغمي على أبي بكر ، فكتب عثمان من عنده اسم عمر ، فلما أفاق أبو بكر قال : اقرأ ما كتبت ، فقرأ ، فلما ذكر عمر كبر أبو بكر ، وقال : أراك خفت إن افتلتت نفسي الاختلاف ، فجزاك الله عن الإسلام خيرا ، والله إن كنت لها أهلا .
وقال علوان بن داود البجلي ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن صالح بن كيسان ، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه . وقد رواه الليث بن سعد ، عن علوان ، عن صالح نفسه ، قال : دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه فسلمت عليه وسألته : كيف أصبحت ؟ فقال : بحمد الله بارئا ، أما إني على ما ترى وجع ، وجعلتم لي شغلا مع وجعي ، جعلت لكم عهدا بعدي ، واخترت لكم خيركم في نفسي ، فكلكم ورم لذلك أنفه رجاء أن يكون الأمر له .
ثم قال : أما إني لا آسى على شيء إلا على ثلاث فعلتهن ، وثلاث لم أفعلهن ، وثلاث وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن : وددت أني لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته وإن أغلق على الخرب ، وددت - ص 18 - أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق عمر أو أبي عبيدة ، ووددت أني كنت وجهت خالد بن الوليد إلى أهل الردة وأقمت بذي القصة ، فإن ظفر المسلمون وإلا كنت لهم مددا وردءا ، ووددت أني يوم أتيت بالأشعث أسيرا ضربت عنقه ، فإنه يخيل إلي أنه لا يكون شر إلا طار إليه ، ووددت أني يوم أتيت بالفجاءة السلمي لم أكن حرقته وقتلته أو أطلقته ، ووددت أني حيث وجهت خالد بن الوليد إلى الشام وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق ، فأكون قد بسطت يميني وشمالي في سبيل الله . ووددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في من هذا الأمر ولا ينازعه أهله ، وأني سألته هل للأنصار في هذا الأمر شيء ؟ وأني كنت سألته عن العمة وبنت الأخ ، فإن في نفسي منها حاجة . رواه هكذا ، وأطول من هذا ابن وهب ، عن الليث بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، أخرجه كذلك ابن عائذ .
وقال محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص ، عن أبيه ، عن جده ، أن عائشة قالت : حضرت أبي وهو يموت فأخذته غشية فتمثلت :
من لا يزال دمعه مقنعا فإنـه لا بـد مرة مدفوق
فرفع رأسه وقال : يا بنية ليس كذلك ، ولكن كما قال الله تعالى : وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ( ق ) وقال موسى الجهني ، عن أبي بكر بن حفص بن عمر أن عائشة تمثلت لما احتضر أبو بكر :
لعمـرك مـا يغنـي الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فقال : ليس كذلك ، ولكن :
وقال القاسم ، عن عائشة أن أبا بكر حين حضره الموت قال : إني لا أعلم عند آل أبي بكر غير هذه اللقحة وغير هذا الغلام الصيقل ، كان يعمل سيوف المسلمين ويخدمنا ، فإذا مت فادفعيه إلى عمر ، فلما دفعته إلى عمر قال : رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده .
وقال الزهري : أوصى أبو بكر أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس ، فإن لم تستطع استعانت بابنه عبد الرحمن .
وقال عبد الواحد بن أيمن وغيره ، عن أبي جعفر الباقر ، قال : دخل علي على أبي بكر بعدما سجي ، فقال : ما أحد ألقى الله بصحيفته أحب إلي من هذا المسجى .
وعن القاسم ، قال : أوصى أبو بكر أن يدفن إلى جنب رسول الله فحفر له ، وجعل رأسه عند كتفي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .
وعن عامر بن عبد الله بن الزبير ، قال : رأس أبي بكر عند كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأس عمر عند حقوي أبي بكر .
وقالت عائشة : مات ليلة الثلاثاء ، ودفن قبل أن يصبح .
وعن مجاهد ، قال : كلم أبو قحافة في ميراثه من ابنه ، فقال : قد رددت ذلك على ولده ، ثم لم يعش بعده إلا ستة أشهر وأياما .
وجاء أنه ورثه أبوه وزوجتاه أسماء بنت عميس ، وحبيبة بنت - ص 20 - خارجة والدة أم كلثوم ، وعبد الرحمن ، ومحمد ، وعائشة ، وأسماء ، وأم كلثوم .
ويقال : إن اليهود سمته في أرزة فمات بعد سنة ، وله ثلاث وستون سنة ، رضي الله عنه وأرضاه .

0 التعليقات:
إرسال تعليق